نقض الشارقة: المشاركة في إجراءات الخبرة القضائية بعد التمسك بالتحكيم لا تعد نزولاً عنه 2026
بتاريخ 6 يوليو 2026، أصدرت محكمة نقض الشارقة حكمها في الطعن رقم SSCSUCICOMS2026/0000030) تجاري)، متناولة إحدى الإشكاليات العملية المتكررة في منازعات التحكيم، وهي مدى اعتبار بعض التصرفات اللاحقة على إبرام العقد أو أثناء نظر الدعوى القضائية تنازلاً ضمنياً عن شرط التحكيم.
وتثير القضية سؤالين رئيسيين: هل يؤدي إبرام ملحق للعقد إلى سقوط شرط التحكيم الوارد في العقد الأصلي؟ وهل يعد الدخول في إجراءات الخبرة القضائية أو مناقشة موضوع النزاع أمام الخبير نزولاً عن الحق في التمسك بشرط التحكيم؟
أجابت المحكمة بالنفي، مؤكدة أن اتفاق التحكيم لا يفقد أثره إلا بإرادة واضحة وصريحة، وأن مجرد المشاركة في إجراءات الخبرة لا تمثل تنازلاً عنه متى تمسك الطرف بالدفع بعدم اختصاص المحكمة في أول فرصة إجرائية.
أولاً: الوقائع
أبرم البائع والمشتري عقد بيع تضمن شرطاً يقضي بإحالة أي نزاع ينشأ عنه إلى التحكيم. وفي وقت لاحق، أبرم الطرفان ملحقاً للعقد تناول بعض التعديلات المتعلقة بالعلاقة التعاقدية، دون أن يتضمن أي نص يقضي بإلغاء شرط التحكيم أو استبداله.
وعقب نشوء النزاع، أقام أحد الطرفين دعوى أمام القضاء العادي، بينما تمسك الطرف الآخر بعدم اختصاص المحكمة لوجود شرط التحكيم. وأثناء سير الدعوى، باشر الخبير القضائي مأموريته، وشارك الطرف المتمسك بشرط التحكيم في مناقشات الخبرة.
ورغم ذلك، قضت محكمة الاستئناف برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لوجود شرط التحكيم، استناداً إلى أن ملحق العقد لم يشتمل على شرط التحكيم، وأن مشاركة المستأنف أمام الخبير تعد نزولاً ضمنياً عنه، فطعن على الحكم أمام محكمة النقض.
ثانياً: دفوع وطلبات الخصوم
تمسك الطاعن بأن شرط التحكيم الوارد بالعقد الأصلي ظل قائماً ونافذاً، وأن ملحق العقد لم يتضمن ما يفيد إلغاءه أو الاتفاق على العدول عنه، كما دفع بأن مشاركته أمام الخبير جاءت بعد إبداء الدفع بعدم اختصاص المحكمة، ومن ثم لا يجوز اعتبارها تنازلاً عن شرط التحكيم.
في المقابل، تمسك الخصم بأن ملحق العقد يمثل اتفاقاً جديداً خلا من شرط التحكيم، وأن دخول الطاعن في مناقشة موضوع النزاع أمام الخبير يدل على قبوله اختصاص القضاء العادي.
ثالثاً: رأي المحكمة وحيثياته
استندت المحكمة إلى أن شرط التحكيم يعد اتفاقاً مستقلاً يقوم على إرادة الطرفين، ولا يزول أو يعدل إلا باتفاق صريح وواضح، ولا يجوز افتراض العدول عنه أو استخلاصه ضمناً. كما قررت أن ملحق العقد يعد مكملاً للعقد الأصلي، ولا يؤدي خلوه من إعادة النص على شرط التحكيم إلى سقوطه، ما لم يتضمن نصاً صريحاً يفيد إلغاءه.
ورأت المحكمة أن الدفع بوجود شرط التحكيم هو دفع بعدم قبول الدعوى يجب إبداؤه قبل التعرض لموضوع النزاع، وأن الثابت من الأوراق أن الطاعن تمسك بهذا الدفع في أول إجراء دفاعي أمام المحكمة. ومن ثم، فإن مشاركته اللاحقة أمام الخبير القضائي تنفيذاً لقرار المحكمة لا تعد نزولاً عن شرط التحكيم ولا قبولاً باختصاص القضاء، ولا تحول دون استمرار تمسكه بالاتفاق التحكيمي. وبناءً عليه، انتهت المحكمة إلى نقض الحكم المطعون فيه لمخالفته هذا النظر.
رابعاً: المبادئ القانونية المستخلصة من الحكم
- شرط التحكيم اتفاق مستقل لا يزول إلا باتفاق صريح وواضح بين الطرفين، ولا يفترض العدول عنه ضمناً.
- ملحق العقد يعد مكملاً للعقد الأصلي، ولا يؤدي بذاته إلى إلغاء شرط التحكيم ما لم يتضمن نصاً صريحاً يفيد ذلك.
- إثارة الدفع بعدم قبول الدعوى لوجود شرط التحكيم يجب أن تتم قبل التعرض لموضوع النزاع، وإلا سقط الحق في التمسك به.
- مشاركة الخصم في إجراءات الخبرة القضائية بعد إبداء الدفع لا تعد نزولاً عن شرط التحكيم ولا قبولاً باختصاص المحكمة.
- لا يجوز استخلاص التنازل عن شرط التحكيم من مجرد التصرفات الإجرائية أو المشاركة الفنية في إجراءات الدعوى، ما لم تقترن بإرادة صريحة تدل على العدول عنه.
الخاتمة
يرسخ هذا الحكم اتجاهاً قضائياً مؤيداً لاستقرار اتفاقات التحكيم، إذ يؤكد أن الأصل هو بقاء شرط التحكيم واستمرار نفاذه، وأن سقوطه يظل استثناءً لا يثبت إلا بدليل واضح على إرادة الأطراف. كما يبعث برسالة عملية للمحامين والمستشارين القانونيين مفادها أن الحفاظ على الحق في التمسك بشرط التحكيم يرتبط بالدرجة الأولى بحسن إدارة المركز الإجرائي وإبداء الدفع في توقيته الصحيح، لا بمجرد المشاركة اللاحقة في إجراءات الخبرة أو الدفاع الفني أمام المحكمة.






