بتاريخ 20 أغسطس 2026، أصدرت الدائرة المدنية الكلية الخامسة بمحكمة شمال بنغازي الابتدائية حكمها في الدعوى رقم 153 لسنة 2026، المقامة من رئيس مجلس الوزراء بالحكومة الليبية بصفته ضد شركة محمد عبد المحسن الخرافي وأولاده، بشأن فسخ عقد استثمار سياحي وإبطال حكم التحكيم الدولي الصادر لصالح الشركة بتاريخ 22 مارس 2013.
وتتمثل الإشكالية القانونية في مدى اختصاص القضاء الليبي بنظر نزاع ناشئ عن عقد استثمار أجنبي رغم الاتفاق على التحكيم، وأيضاً مدى اختصاص القضاء الليبي بإبطال حكم تحكيم مقره في دولة أخري.
أولًا: الوقائع
أبرمت مصلحة التنمية السياحية عام 2006 عقدًا مع الشركة لاستثمار أرض مساحتها 24 هكتارًا بمنطقة تاجوراء في طرابلس، بغرض إقامة مشروع سياحي بقيمة 130 مليون دولار خلال سبع سنوات ونصف، مقابل حق انتفاع مدته تسعون سنة.
لم تبدأ الشركة تنفيذ المشروع أو تحويل رأس المال اللازم رغم إنذارها ومنحها مهلة إضافية، فصدر عام 2010 قرار بإلغاء الموافقة الاستثمارية. ولجأت الشركة إلى التحكيم، فصدر لصالحها في 22 مارس 2013 حكم بإلزام الدولة الليبية بمبلغ 936.94 مليون دولار وفائدة سنوية قدرها 4%.
أقام رئيس مجلس الوزراء بصفته الدعوى طالبًا فسخ العقد والتعويض وإبطال حكم التحكيم، استنادًا إلى إخلال الشركة بالتزاماتها واتصال النزاع بأراضي الدولة والنظام العام.
ثانيًا: دفوع وطلبات الطرفين
تمسك رئيس مجلس الوزراء باختصاص القضاء الليبي؛ لأن العقد أُبرم ونُفذ داخل ليبيا وتعلق بعقار مملوك للدولة وقرارات إدارية سيادية. كما دفع بأن الشركة لم تنفذ المشروع أو تموله، وأن حكم التحكيم صدر بتعويض عن أرباح مستقبلية غير محققة، وشاب تشكيل هيئته وإجراءاته إخلال بحق الدفاع. ولم تحضر الشركة رغم إعلانها بطريق الإعلان الخارجي، فصدر الحكم في حقها غيابيًا.
ثالثًا: رأي المحكمة وحيثياتها
أقرت المحكمة صفة رئيس مجلس الوزراء في تمثيل الشخص الاعتباري العام وحماية أموال الدولة، كما قررت اختصاص القضاء الليبي؛ لأن النزاع نشأ عن عقد استثمار عقاري أُبرم في ليبيا وكان مقصودًا تنفيذه داخلها.
وثبت للمحكمة أن الشركة لم تبدأ تنفيذ المشروع أو توفر تمويله خلال المدد المقررة، رغم تنفيذ الجهة الليبية عددًا من التزاماتها وإنذار الشركة ومنحها مهلة إضافية، بما يبرر فسخ العقد وفقًا للمواد من 159 إلى 162 من القانون المدني الليبي.
كما رأت المحكمة أن النزاع غير قابل للتحكيم لاتصاله بأراضي الدولة وقراراتها الإدارية السيادية. واعتبرت أن حكم التحكيم خالف النظام العام بقضائه بتعويض ضخم عن أرباح احتمالية رغم عدم تنفيذ المشروع، فضلًا عن صدوره في ظروف استثنائية أخلت بقدرة الدولة على الدفاع، وبعد انسحاب المحكم الممثل لها وعدم توقيعه على الحكم، بما عاب تشكيل الهيئة وإجراءاتها.
رابعًا: منطوق الحكم
قضت المحكمة بفسخ عقد الاستثمار وإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد، وإلزام الشركة بأن تؤدي للدولة الليبية 10 مليارات دينار تعويضًا ماديًا، و5 مليارات دينار تعويضًا أدبيًا، وبطلان حكم التحكيم الصادر في 22 مارس 2013 وعدم الاعتداد به داخل ليبيا أو خارجها، مع إلزام الشركة بالمصاريف القضائية.
ويذكر بأنه بتاريخ 24 يونيو 2021، قضت محكمة النقض المصرية برئاسة المستشار عبد العزيز إبراهيم الطنطاوي في الطعن رقم 12262/90ق، المقام من شركة الخرافي الكويتية ضد الدولة الليبية، بنقض الحكم رقم 39 لسنة 130 ق الصادر عن محكمة استئناف القاهرة، والذي سبق وقضي ببطلان الحكم التحكيمي الصادر لصالح شركة الخرافي، وفي الموضوع برفض دعوي البطلان المرفوعة من الدولة الليبية.
ويبقي السؤال عن مدى فعالية هذا الحكم خارج ليبيا وهل تستطيع الدولة الليبية تزيله بالصيغة تنفيذية في دولة أخرى، هذا ما ستكشفه الإيام القادمة.






