بتاريخ 9/11/1446هـ، أصدرت محكمة الاستئناف في الرياض حكمها ببطلان حكم التحكيم صادر بتاريخ 3/6/1446هـ، في نزاع ناشئ عن عقد إيجار وتطوير واستثمار أراضٍ.
ويثير الحكم إشكالية القانونية الرئيسية في مدى جواز ترتيب حكم التحكيم آثارًا قضائية ومالية على عقد إيجار غير مسجل في الشبكة الإلكترونية (إيجار)، وما إذا كان ذلك يشكل مخالفة للنظام العام تجيز للمحكمة المختصة إثارتها من تلقاء نفسها والحكم ببطلان الحكم التحكيمي وفقاً للمادة 50(2) من نظام التحكيم.
أولًا: الوقائع
بتاريخ 15/7/1442هـ، الموافق 27 فبراير 2021، أبرم المؤجر والمستأجر/المستثمر عقد إيجار وتطوير واستثمار أراضٍ بشأن أرض تقع في مكة المكرمة. وتضمن العقد اتفاقًا على التحكيم نص على إجراء التحكيم والمرافعات في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية.
وعقب نشوء نزاع بين الطرفين بشأن تنفيذ العقد والالتزامات المترتبة عليه، أحيل النزاع إلى هيئة تحكيم، وتبادل الطرفان المذكرات والردود، إلى أن أصدرت الهيئة حكمها بأغلبية أعضائها بتاريخ 3/6/1446هـ.
وقضت هيئة التحكيم، من بين أمور أخرى، بإلزام المؤجر بتوثيق عقد الإيجار والتطوير والاستثمار لدى منصة إيجار، وتقديم طلب رفع الجهد الكهربائي للموقع واتخاذ ما يلزم لإيصال الخدمة، فضلًا عن تقديم طلب توصيل شبكة المياه والصرف الصحي وتركيب العداد، على أن يتحمل المستأجر/المستثمر تكاليف إيصال تلك الخدمات.
كما ألزمت الهيئة المؤجر بأن يؤدي للمستأجر/المستثمر مبلغ 170,881.77 ريالًا يمثل أجرة المثل عن تأجير التموينات خلال الفترة المحددة في الحكم، إضافة إلى مبلغ 8,625ريالًا يمثل نصيب المؤجر من أتعاب الخبير التي سبق أن سددها المستأجر/المستثمر عنه أثناء نظر الدعوى التحكيمية.
وأقام المؤجر دعوى أمام محكمة الاستئناف في الرياض طالبًا إبطال الحكم التحكيمي.
ثانيًا: دفوع وطلبات الخصوم
أسس المؤجر طلب البطلان، في مجمله، مخالفة الاتفاق المتعلق بمكان التحكيم، وتشكيل هيئة التحكيم، وتجاوز هيئة التحكيم حدود اختصاصها.
ثالثًا: رأي المحكمة وحيثياته
1. سلطة المحكمة في إثارة مخالفة النظام العام من تلقاء نفسها
انطلقت المحكمة من تحديد نطاق الرقابة المقررة لها عند نظر دعوى بطلان حكم التحكيم، واستندت إلى المادة 50(2)من نظام التحكيم، التي تجيز للمحكمة المختصة الحكم من تلقاء نفسها ببطلان حكم التحكيم إذا تضمن ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام في المملكة، أو ما اتفق عليه طرفا التحكيم، أو إذا كان موضوع النزاع من المسائل التي لا يجوز التحكيم فيها بموجب النظام.
وعلى هذا الأساس، لم تعتبر المحكمة رقابتها على النظام العام مقيدة بالأسباب التي أقام عليها المؤجر دعواه، وإنما انتقلت إلى فحص مدى توافق الحكم التحكيمي ذاته مع القواعد المتصلة بالنظام العام.
2. أثر عدم تسجيل عقد الإيجار في (إيجار(
ثبت للمحكمة، وفق ما قرره طرفا النزاع، أن عقد الإيجار لم يكن مسجلًا في الشبكة الإلكترونية (إيجار). كما أشارت إلى المادة السادسة عشرة من العقد، التي نصت على خضوعه وتفسيره وفق القوانين السائدة في المملكة العربية السعودية.
واستندت المحكمة إلى قرار مجلس الوزراء رقم 292 بتاريخ 16/5/1438هـ، وما تضمنه من عدم اعتبار عقد الإيجار غير المسجل في الشبكة الإلكترونية عقدًا صحيحًا منتجًا لآثاره الإدارية والقضائية.
كما استندت إلى تعميم وزير العدل رقم 13/ت/7656 بتاريخ 4/5/1440هـ، المؤكد بالتعميم رقم 13/ت/8843 بتاريخ 19/12/1443هـ. ولما كان العقد محل النزاع قد أبرم بتاريخ 15/7/1442هـ، فقد أخضعته المحكمة للقاعدة المتعلقة بالتسجيل.
3. خضوع العقد المركب لمتطلب التسجيل
تناولت المحكمة كذلك طبيعة العقد، الذي لم يقتصر عنوانه على الإيجار وإنما ورد بوصفه عقد إيجار وتطوير واستثمار أراضٍ.
ومع ذلك، لم تعتبر اقتران الإيجار بعنصري التطوير والاستثمار سببًا لاستبعاد العقد من نطاق القواعد المنظمة للتسجيل، واستندت إلى عمومية قرار مجلس الوزراء من حيث انطباقه على عقود الإيجار والعقارات.
ومن ثم، تعاملت المحكمة مع وجود عنصر الإيجار في العلاقة العقدية باعتباره موجبًا لمراعاة متطلبات التسجيل، دون أن يؤدي تعدد العناصر الواردة في العقد إلى إخراجه من نطاقها.
4. أثر عدم التسجيل على الحكم التحكيمي
تبين للمحكمة أن الحكم التحكيمي رتب على العقد غير المسجل عدة آثار، من بينها إلزام المؤجر بتوثيقه في منصة (إيجار)، واتخاذ إجراءات لإيصال الخدمات، إلى جانب أداء مبالغ مالية لصالح المستأجر/المستثمر.
وفي ضوء القاعدة التي اعتمدتها المحكمة بشأن عدم إنتاج عقد الإيجار غير المسجل لآثاره الإدارية والقضائية، اعتبرت أن ترتيب تلك الآثار بموجب الحكم التحكيمي يتعارض مع القواعد النظامية واجبة التطبيق.
ولم يغير من ذلك أن الحكم التحكيمي ذاته ألزم المؤجر بتوثيق العقد لاحقًا؛ إذ انصب فحص المحكمة على مدى جواز ترتيب آثار قضائية على العقد في ظل عدم تسجيله.
وعليه، قضت المحكم ببطلان حكم التحكيم لمخالفته للنظام العام بالسعودية.
رابعاً: قيمة الحكم ومدى اتساقه مع السوابق القضائية
بالنظر إلى الاتجاه القضائي السعودي في الرقابة على أحكام التحكيم، أظهرت الدراسة الصادرة عن المركز السعودي للتحكيم التجاري في يوليو 2026، والتي استندت إلى الأحكام القضائية المستلمة من وزارة العدل، اتجاهًا إلى حصر الرقابة القضائية في الأسباب النظامية للبطلان، وعدم تحويل دعوى البطلان إلى وسيلة لإعادة نظر موضوع النزاع.
وفي هذا السياق، أوردت الدراسة حكمًا لمحكمة الاستئناف العامة بجدة يتعلق بحكم تحكيمي قضى بعدم سماع دعوى بسبب التقادم استنادًا إلى نظام المعاملات المدنية. وتبين للمحكمة أن هيئة التحكيم طبقت أحكام التقادم بأثر رجعي على واقعة بدأ سريان مدتها قبل نفاذ النظام، بالمخالفة للأحكام الانتقالية الواردة في المرسوم الملكي الصادر به. واعتبرت المحكمة أن مخالفة تلك الأحكام الآمرة تدخل في نطاق النظام العام، فقضت بالبطلان الكلي للحكم التحكيمي.
ويتقاطع ذلك الحكم مع الحكم محل التعليق من حيث الأساس الذي يبرر التدخل القضائي؛ ففي الحالتين لم تقم المحكمة بإعادة تقدير الوقائع أو الأدلة، وإنما تدخلت بسبب ما اعتبرته مخالفة لقاعدة نظامية آمرة متصلة بالنظام العام. ففي سابقة جدة تعلقت المخالفة بالنطاق الزمني لتطبيق قواعد التقادم، بينما تتعلق في الحكم محل التعليق بترتيب آثار قضائية على عقد إيجار غير مسجل في (إيجار(.
كما أوردت الدراسة حكمًا لمحكمة الاستئناف العامة بالرياض انتهى إلى البطلان الجزئي لحكم تحكيمي في الجزء المتعلق بأتعاب التحكيم. فقد رأت المحكمة أن هيئة التحكيم قضت لنفسها بأتعاب دون طلب من الطرفين، وأن ذلك الجزء صدر خارج نطاق الخصومة التحكيمية ومن جهة لا ولاية لها عليه، فضلًا عن عدم استيفائه المتطلبات النظامية ذات الصلة. وانتهت إلى اعتبار الجزء المتعلق بالأتعاب مخالفًا لأحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام، مع الإبقاء على الأجزاء الأخرى من الحكم التحكيمي.
وتبرز المقارنة بين هذه السابقة والحكم محل التعليق أثر قابلية المخالفة للتجزئة في تحديد نطاق البطلان؛ ففي السابقة أمكن فصل الجزء المخالف عن بقية الحكم، فاقتصر البطلان عليه، بينما اتصلت المخالفة في الحكم محل التعليق بالعقد الذي قامت عليه الالتزامات والآثار المقضي بها، وانتهت المحكمة إلى بطلان الحكم التحكيمي.
خامساً: المبادئ القانونية المستخلصة من الحكم
1. تقتصر رقابة محكمة البطلان على التحقق من سلامة الحكم من الناحية الشكلية والإجرائية، ومدى مخالفته للشريعة الإسلامية أو النظام العام أو اتفاق الأطراف، دون إعادة النظر في موضوع النزاع.
2. للمحكمة المختصة بدعوى بطلان حكم التحكيم أن تقضي من تلقاء نفسها بالبطلان متى تبين لها أن الحكم رتب آثارًا تخالف النظام العام، ولو لم يتمسك طالب البطلان بهذه المخالفة ضمن أسباب دعواه.
3. يعد الالتزام بالمتطلبات النظامية المتعلقة بتسجيل عقود الإيجار من المسائل المتعلقة بالنظام العام؛ حيث أن المنظم يرتب على مخالفتها عدم انتاج آثارها.
الخاتمة
يمثل الحكم تطبيقا قضائيا هامة في مجال التحكيم، إذ اعتبر أن المتطلبات النظامية المتعلقة بتسجيل عقود الإيجار من المسائل المتعلقة بالنظام العام، وأن مخالفتها تبرر الحكم بإبطال حكم التحكيم الذي أسس قضائه عليه.






