دروس أساسية للمقاولين في المملكة: إدارة المخاطر والمطالبات في مشروعات التشييد بالمملكة العربية السعودية
تزخر منطقة الشرق الأوسط بأكبر مجموعة من مشروعات التشييد قيد التخطيط والتنفيذ على مستوى العالم، بما تتيحه من فرص واعدة للمقاولين، وما تقترن به في الوقت ذاته من مخاطر كبيرة. وقد كشف تحليل CRUX للمطالبات والنزاعات عن حجم هذه المخاطر وطبيعتها، مؤكدًا أن الفهم الدقيق للأسباب المؤدية إلى نشوء النزاعات من شأنه مساعدة أصحاب المصلحة على تحقيق نتائج أفضل في المشروعات.
يغطي برنامج CRUX البحثس المتكامل، الذي أعدته شركة HKA، أكثر من ألفي مشروع للبنية التحتية والمشروعات الرأسمالية حول العالم، بقيمة رأسمالية إجمالية تبلغ 2.25 تريليون دولار أمريكي. ويكشف البرنامج عن الأسباب المشتركة للنزاعات، فضلًا عن أوجه التباين الملحوظة بين مختلف المناطق الجغرافية.
وقد أظهرت نتائج التحليل في الشرق الأوسط عددًا من المؤشرات اللافتة؛ إذ تجاوزت مدد التأخير في المشروعات الـ480 محل الدراسة مثيلاتها في المشروعات المتعثرة في سائر المناطق. فقد بلغ متوسط مدد التمديد التي طالب بها المقاولون 80.9% من المدد الزمنية الأصلية للمشروعات، مقارنة بمتوسط عالمي قدره 66.5%. كما ارتفعت القيم المالية محل النزاع، وإن كان ذلك بفارق محدود، إذ بلغت التكاليف المطالب بها 34% من النفقات الرأسمالية المقدرة، مقابل 32.9% في بقية أنحاء العالم.
وعلى الرغم من أن تغيير نطاق الأعمال يُعد السبب الأكثر شيوعًا للمطالبات والنزاعات عالميًا، فإن نسبة المشروعات المتأثرة به في الشرق الأوسط كانت أعلى من غيرها، إذ بلغت 52.9% مقابل 31.8%. كما كانت مشروعات المنطقة أكثر عرضة للتأثر بتأخر تقديم المعلومات التصميمية أو عدم اكتمالها، وتأخر الموافقات، ومشكلات التدفقات النقدية وسداد المستحقات.
أنماط التعطيل البارزة في مشروعات التشييد السعودية
بدت أنماط التعطيل أكثر وضوحًا في المملكة العربية السعودية؛ إذ قاربت المدد الإضافية التي طالب بها المقاولون ضعف البرامج الزمنية الأصلية، وبلغ متوسطها 97.2% من مدة المشروع، وذلك في المشروعات السعودية الـ133 التي شملها التحليل. وفي المقابل، كانت تكلفة المطالبات أقل نسبيًا، إذ بلغت 27.9% من النفقات الرأسمالية المقدرة.
كما كان التأخر في تسليم مواقع العمل أو تقييد الوصول إليها أكثر شيوعًا في المملكة، حيث أدى إلى تعطيل 30.8% من المشروعات. كذلك برزت النزاعات المتعلقة بالتدفقات النقدية وسداد المستحقات بوصفها من المشكلات الرئيسية، إذ أثرت في 31.6% من المشروعات، فضلًا عن شيوع التأخر في إصدار الموافقات بنسبة بلغت 30.1.%
مبادئ أساسية للحد من مخاطر المقاولين
يتمثل الهدف من تحليل الأسباب الكامنة وراء تجاوز الميزانيات والبرامج الزمنية في الحد من هذه المخاطر في المشروعات القائمة والمستقبلية. وفي ضوء النتائج التي كشف عنها برنامج CRUX، ينبغي للمقاولين مراعاة المبادئ الآتية:
· يتعين تحديد المخاطر منذ البداية حتى يتسنى احتساب تكلفتها ضمن العطاءات أو إدارتها خلال مرحلة التنفيذ. وعلى الرغم من حدة المنافسة، يجب أن تظل العطاءات واقعية، ولا سيما في ظل وفرة فرص العمل التي تجعل المنافسة القائمة على خفض الأسعار إلى مستويات غير قابلة للاستدامة أمرًا غير رشيد.
· ينبغي تسوية أكبر قدر ممكن من المسائل التصميمية قبل بدء أعمال التنفيذ. ويوفر إشراك المقاول في مرحلة مبكرة، وهو نهج يتزايد اتباعه في مشروعات صندوق الاستثمارات العامة، فرصة مهمة لاختبار التصميمات، والتحقق من التنسيق والتعارضات وقابلية التنفيذ، ومعالجة مشكلات نقاط الاتصال بين نطاقات الأعمال، والتأكد من واقعية البرامج الزمنية وإمكان تنفيذها.
· يتعين على المقاولين، شأنهم شأن أصحاب المشروعات، توخي العناية في عمليات التعاقد واختيار مقاولي الباطن وفقًا لخبراتهم وقدراتهم وملاءتهم المالية، لا بناءً على السعر الأقل وحده. كما يجب أن تمتلك فرق العمل على جميع المستويات المهارات التي تتطلبها طبيعة المشروع، مع تعزيز التعاون بين أصحاب المصلحة وترسيخ نهج الفريق الواحد في معالجة المشكلات.
· يجب الإلمام الدقيق بأحكام العقد وكيفية تطبيقها تطبيقًا صحيحًا، ولا سيما الأحكام المتعلقة بتمديد المدة، والأعمال التغييرية، وأوامر التغيير، وتسوية المطالبات والنزاعات. وينبغي تجنب إبرام العقود غير المتوازنة أو المحملة بمخاطر مفرطة، مع إدراك الأهمية الحاسمة للتعليمات المكتوبة وحفظ السجلات في الوقاية من النزاعات وإثبات المراكز القانونية عند نشوئها.
أهمية الالتزام بإجراءات تقديم المطالبات
تنطوي مشروعات التشييد، بحكم طبيعتها المعقدة، على مخاطر متعددة قد يترتب عليها استحقاق المقاول لتمديد المدة أو الحصول على تعويض، وذلك وفقًا لشروط النموذج التعاقدي المعمول به.
ويعد الالتزام بإجراءات تقديم المطالبة شرطًا أساسيًا لنجاحها؛ إذ يجب إخطار الطرف الآخر بها في الميعاد المحدد، وإعدادها على نحو متكامل، وإسنادها إلى الأحكام التعاقدية الملائمة، وتأييدها بالمستندات والبيانات التفصيلية الكافية. كما يتعين إثبات علاقة السببية بين الواقعة المنشئة للمطالبة والآثار المترتبة عليها بصورة واضحة.
وتكتسب المطالبة بتمديد مدة التنفيذ أهمية خاصة؛ فقد يؤدي عدم الحصول على التمديد المستحق إلى إلزام المقاول بالتعويضات الاتفاقية أو غرامات التأخير، وحرمانه من استرداد التكاليف الناشئة عن إطالة مدة تنفيذ المشروع، فضلًا عن احتمالية إنهاء العقد. وعلى الرغم من أن معظم العقود تضع حدًا أقصى للتعويضات الاتفاقية، فإن هذا الحد غالبًا ما يكون مرتفعًا، وقد لا يُعتد به في حالات الإهمال الجسيم أو سوء السلوك العمدي أو الإخلال المتعمد من جانب المقاول.
الإدارة الفعالة للبرنامج الزمني وأثرها في الحد من المخاطر
كثيرًا ما تتعثر المشروعات وتتجاوز مددها المحددة بسبب ضعف التقديرات الموضوعة خلال مرحلة التخطيط للتنفيذ أو إهمال إدارة البرنامج الزمني. ومن ثم، يلزم فهم المتطلبات التعاقدية وإدراجها بصورة صحيحة في البرنامج الزمني الرئيسي للمشروع.
وبعد إعداد برنامج زمني أساسي متين، ينبغي مراجعته والتدقيق فيه للكشف عن أية أوجه قصور أو عناصر أغفلها القائمون على إعداده. كما تتيح إجراءات التحديث وإعداد التقارير متابعة سير الأعمال واتخاذ التدابير في الوقت المناسب للحد من التأخير والاستفادة من فرص تسريع التنفيذ.
ويوصى بإجراء تحليل الأثر الزمني وفق ثلاث مراحل:
1. تثبيت البرنامج الزمني الأساسي مع تحديد تاريخ البيانات.
2. إدراج نسب الإنجاز الفعلية المحققة خلال فترة التقرير أو (النافذة الزمنية).
3. إعادة جدولة البرنامج، بحيث تظل الأعمال المنجزة قبل تاريخ البيانات، بينما يعاد تقدير مواعيد الأعمال غير المكتملة إلى ما بعد ذلك التاريخ.
ويجب أن ينتج عن إعادة الجدولة تقدير محدث ودقيق لموعد الإنجاز، إلى جانب تسلسل مخطط للأعمال يراعي أي تعديلات أُدخلت على الروابط المنطقية للأنشطة بغرض الحد من التأخير.
الفحوص اللازمة للبرنامج الزمني
ينبغي أن تشمل مراجعة سلامة البرنامج الزمني الأساسي وجودته العناصر الآتية:
· الروابط المنطقية بين الأنشطة
· مدد التقديم والتأخير
· أنواع العلاقات بين الأنشطة
· القيود الزمنية الصارمة
· السماح الزمني المرتفع أو السالب
· الأنشطة ذات المدد الطويلة
· التواريخ غير الصحيحة
· تخصيص الموارد
· الأنشطة التي لم تُدرج في البرنامج
· اختبارات المسار الحرج
· مؤشر طول المسار الحرج .CPLI
· مؤشر تنفيذ البرنامج الأساسي BEI.
ويمكن إجراء هذه المراجعات باستخدام برامج متخصصة، مثل Acumen Fuseوأدوات تحليل المخاطر في Oracle Primavera، إلى جانب الفحص اليدوي. كما ينبغي ألا تقتصر المراجعة على المسار الحرج الرئيسي وأنشطته، بل تمتد إلى المسارات والأنشطة القريبة من الحرج.
إثبات سبب التأخير لإنجاح المطالبة بتمديد المدة
عند تأخر سير الأعمال عن البرنامج الزمني، يتعين إثبات سبب التأخير وقياس أثره لدعم المطالبة بتمديد مدة التنفيذ. وقد يحدد العقد المنهج الواجب اتباعه في تحليل التأخير المتوقع أو الفعلي في تاريخ الإنجاز، وغالبًا ما يكون ذلك من خلال تحليل الأثر الزمني.
وعند إتاحة الاختيار بين أكثر من منهج، يجب تحديد المنهج المناسب استنادًا إلى المعلومات المتوافرة، مع تجنب الإفراط في تعقيد التحليل. فالتحليل الأكثر تطورًا لن يعوض غياب البيانات أو ضعف جودتها، وهو ما أكدته الأحكام القضائية الإنجليزية. كما ينبغي مراعاة الوقت والميزانية، وطبيعة المشروع، وصفة الطرف الذي يجري التحليل، والغرض منه، مع تحديد الرسالة المراد إيصالها والجمهور المستهدف.
ولكل منهج من مناهج تحليل التأخير متطلبات خاصة. فعلى سبيل المثال، يلائم منهج التأثير على البرنامج المخطط المراحل المبكرة من المشروع، عندما لا يكون قد تحقق سوى قدر محدود من الإنجاز. أما تحليل الأثر الزمني، فيستخدم عادة أثناء تنفيذ المشروع. وفي نهاية المشروع، بعد اتضاح الوقائع، أو خلال إجراءات التسوية الرسمية للنزاع، يكون منهج النوافذ الزمنية أو المقارنة بين المخطط والمنفذ فعليًا أكثر فائدة في الغالب.
التأخير المتزامن: مفهومه وآلية التعامل معه
لطالما كان التأخير المتزامن من المسائل المثيرة للجدل في منطقة الشرق الأوسط، كما يتكرر إساءة فهمه. ويتحقق هذا النوع من التأخير عندما يكون كل من المقاول وصاحب العمل مسؤولًا عن أسباب تأخير متزامنة، وتترتب آثار هذه الأسباب خلال الفترة الزمنية ذاتها. ومع ذلك، فإن تحقق التأخير المتزامن الحقيقي يظل نادرًا من الناحية العملية.
وقد تمثل الاتفاقات أو القرارات التي تمنح المقاول مدة إضافية دون تعويض مالي عن فترات التأخير المتزامن خطرًا ماليًا كبيرًا. وثمة اتجاه متزايد لدى أصحاب العمل في المملكة إلى تضمين العقود شروطًا مشددة تسقط صراحة حق المقاول في تمديد المدة أو التعويض المالي عن فترات التأخير المتزامن. وفي هذه الحالة، قد يتحمل المقاول التعويضات عن التأخير، فضلًا عن تكاليفه غير المباشرة خلال الفترة التي كان صاحب العمل متأخرًا فيها أيضًا.
غير أن الفحص الدقيق للوقائع يكشف في معظم الحالات عن عدم تحقق تأخير متزامن بالمعنى الصحيح، إذ يكون أحد الطرفين وحده مسؤولًا عن التأخير الحرج المؤثر في تاريخ إنجاز المشروع، فتغدو المناقشات المتعلقة بالتزامن نظرية وغير منتجة. ومع ذلك، لا تتضمن العقود عادة تعريفًا دقيقًا للتأخير المتزامن، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء النزاعات بشأنه حتى عندما تشير الوقائع إلى مسؤولية طرف واحد عن التأخير الحرج.
الأهمية الحاسمة للسجلات والإخطارات في مطالبات التأخير والتعطيل والتكاليف
تعد السجلات من الأدلة الأساسية اللازمة لإثبات التأخير وتعطيل الأعمال والتكاليف الإضافية. غير أن الممارسة العملية تكشف في كثير من الأحيان عن عدم كفاية الأدلة المؤيدة للمطالبات. ولذلك، ينبغي حفظ السجلات على أساس احتمال نشوء نزاع بشأن التأخير أو التعطيل عند انتهاء العقد.
وحتى في الحالات التي يحتفظ فيها المقاول بسجلات جيدة، فقد يُضعف مطالبته أو يفقدها نتيجة عدم الالتزام بواجب توجيه الإخطار المنصوص عليه في العقد. فعلى سبيل المثال، يترتب على عدم تقديم الإخطار خلال 28 يومًا وفقًا لشروط فيديك 1999 سقوط الحق في تمديد المدة والحصول على دفعات إضافية، وإعفاء صاحب العمل من المسؤولية عن المطالبة.
ولا يكفي تقديم إخطارات المطالبة في الميعاد المحدد، بل يجب كذلك صياغتها صياغة صحيحة، وتضمينها جميع البيانات والتفاصيل التي يتطلبها العقد، وإرسالها بالطريقة المتفق عليها إلى العنوان المحدد، مع توجيه نسخ منها إلى الأشخاص المعنيين وتوقيعها من الأشخاص المفوضين. كما يلزم إنشاء سجل لحصر جميع الإخطارات المرسلة، والاحتفاظ بما يثبت تسليمها.
وينطبق ذلك أيضًا على مطالبات مقاولي الباطن، التي يتعين على المقاول التعامل معها في الوقت المناسب ووفق الإجراءات التعاقدية المقررة.
وأخيرًا، يجب تحديث جميع المطالبات خلال المدد المنصوص عليها في العقد، وعدم إرجاء إعدادها أو استكمالها إلى نهاية المشروع؛ إذ قد يترتب على التأخير في تقديمها أو تحديثها سقوط الحق الناشئ عنها.
نقلاً عن: HKAkrghW uk:kkkنTop of Form






