النقض الفرنسية تقرر حدود التنفيذ الجبري على أصول الكيانات المرتبطة بالدولة ٢٠٢٦
2026/06/25

في خطوة قضائية بالغة الأهمية على صعيد التحكيم الدولي وتنفيذ أحكامه ضد الدول، وبتاريخ 17 يونيو 2026، أصدرت محكمة النقض الفرنسية حكماً رسخ مبدأً جديداً يوازن بين فعالية تنفيذ أحكام التحكيم وبين احترام الأهداف الاقتصادية والتنظيمية التي تفرضها تشريعات الاتحاد الأوروبي. وقد تناول الحكم إشكالية قانونية دقيقة تتمثل في مدى جواز التنفيذ على أصول شركة مملوكة أو مرتبطة بدولة أجنبية باعتبارها امتداداً لها، عندما تكون تلك الشركة قد أُنشئت خصيصاً لتنفيذ برنامج للمساعدات المالية الأوروبية.

ويكتسب هذا الحكم أهمية خاصة؛ لأنه يضع لأول مرة قيداً مستمداً من قانون الاتحاد الأوروبي على تطبيق فكرة امتداد الدولة، والتي طالما استند إليها الدائنون للوصول إلى أصول الكيانات المملوكة للدول بغرض تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية.

الإشكالية القانونية

تمحورت القضية حول سؤال قانوني جوهري يتمثل في:

هل يجوز تنفيذ حكم تحكيم صادر ضد دولة أجنبية على أصول شركة مستقلة قانوناً أنشأتها تلك الدولة، إذا كانت هذه الشركة تمثل امتداداً فعلياً للدولة، رغم أن إنشائها جاء تنفيذاً لالتزامات فرضها الاتحاد الأوروبي ضمن برنامج للمساعدات المالية؟

وتثير هذه الإشكالية تعارضاً بين مصلحتين قانونيتين؛ الأولى تتمثل في ضمان فعالية تنفيذ أحكام التحكيم الدولية، والثانية في حماية الآليات المؤسسية التي أنشأها الاتحاد الأوروبي لتحقيق أهداف اقتصادية ومالية ذات طبيعة عامة.

وقائع النزاع

بدأ النزاع عندما صدر حكم تحكيمي يلزم الدولة اليونانية بسداد مبالغ مالية لصالح شركة Hellenic Shipyards SA (HSY)، ثم حصل الحكم على الصيغة التنفيذية في فرنسا. وسعياً إلى تحصيل مستحقاتها، اتجهت الشركة إلى التنفيذ على الأموال التابعة لشركة Hellenic Corporation of Assets & Participations (HCAP) ، ما يمكن تسميته الصندوق السيادي اليوناني.

وقد استندت HSY إلى أن HCAP ليست سوى امتداد للدولة اليونانية، إذ تتولى إدارة الأصول العامة التي نقلتها إليها الدولة، ومن ثم فإن أموالها تعد في حقيقتها أموالاً للدولة يمكن التنفيذ عليها.

في المقابل، دفعت HCAP بأنها شركة مستقلة أُنشئت بموجب تشريع يوناني تنفيذاً لاشتراطات برنامج المساعدة المالية الذي قدمته آلية الاستقرار الأوروبية (ESM)، وأن أموالها مخصصة لتحقيق غرض محدد يتمثل في إدارة واستثمار الأصول العامة للمساهمة في سداد التزامات اليونان تجاه الاتحاد الأوروبي، وبالتالي لا يجوز اعتبارها مجرد ذراع للدولة.

وكانت محكمة استئناف باريس قد أجازت عام 2019 توقيع الحجز على أموال HCAP، معتبرة أن الشركة لا تتمتع باستقلال عضوي حقيقي عن الدولة اليونانية، وأن ذمتها المالية لا تنفصل عملياً عن ذمة الدولة.

وعندما طلبت HCAP العدول عن هذا الحكم، رفضت محكمة الاستئناف طلبها عام 2022، متمسكة بتطبيق فكرة امتداد الدولة باعتبار أن الشركة تخضع بصورة وثيقة للدولة اليونانية.

إلا أن الشركة طعنت أمام محكمة النقض الفرنسية، التي أعادت النظر في الأساس القانوني الذي اعتمدته محكمة الاستئناف.

الحكم وأسانيده القانونية

أقرت محكمة النقض بدايةً بالمبدأ المستقر في القضاء الفرنسي، ومؤداه أن أصول الكيان المستقل قانوناً قد تخضع استثنائياً للتنفيذ على ديون الدولة الأجنبية إذا ثبت أن هذا الكيان يفتقر إلى الاستقلال الوظيفي الحقيقي، وأن ذمته المالية لا يمكن تمييزها عملياً عن ذمة الدولة.

غير أن المحكمة أوضحت أن هذا المبدأ ليس مطلقاً، وإنما يتعين استبعاده متى كان تطبيقه يؤدي إلى تقويض الأهداف التي تسعى تدابير الاتحاد الأوروبي إلى تحقيقها.

ورأت المحكمة أن استقلال HCAP عن الحكومة اليونانية لم يكن مجرد تنظيم إداري داخلي، وإنما كان شرطاً أساسياً فرضته المؤسسات الأوروبية لمنح اليونان برنامج المساعدات المالية. كما أن الغرض من إنشاء الشركة يتمثل في إدارة واستثمار الأصول المنقولة إليها لتوليد موارد تستخدم في سداد التزامات الدولة تجاه آلية الاستقرار الأوروبية.

وانتهت المحكمة إلى أن السماح للدائنين بالحجز المباشر على هذه الأصول من شأنه إحباط الغاية التي أنشئت الشركة من أجلها، وإفراغ برنامج المساعدة الأوروبية من مضمونه، وهو ما يتعارض مع أهداف قانون الاتحاد الأوروبي.

وبناءً على ذلك، قضت محكمة النقض بعدم جواز اتخاذ أي إجراءات تنفيذية في فرنسا على أصول HCAP استناداً إلى ديون الدولة اليونانية.

وقد استند الحكم إلى مجموعة من المبادئ القانونية المهمة، أبرزها:

  •  أن استقلال الشخصية الاعتبارية لا يكفي وحده أو ينفي وحده إمكانية التنفيذ، وإنما يجب النظر إلى الواقع الوظيفي والاقتصادي للكيان.
  •  أن فكرة امتداد شخصية الدولة يظل قائماً من حيث الأصل، لكنه يخضع لقيود تفرضها اعتبارات قانون الاتحاد الأوروبي.
  •  أن الغرض الذي أنشئ من أجله الكيان القانوني يعد عنصراً جوهرياً عند تقييم مدى جواز التنفيذ على أصوله.
  •  أن حماية البرامج الأوروبية للمساعدة المالية تعد من المصالح العامة التي تستوجب الحد من نطاق التنفيذ الجبري في بعض الحالات الاستثنائية.

المبادئ المستخلصة

يرسي هذا الحكم عدداً من المبادئ التي سيكون لها أثر ملموس في منازعات التحكيم والاستثمار الدولي، من أهمها:

1.   أن فكرة امتداد شخصية الدولة لم تعد تعتمد فقط على معيار السيطرة أو غياب الاستقلال الإداري، وإنما أصبحت تستلزم أيضاً فحص الوظيفة الاقتصادية والقانونية للكيان محل التنفيذ.

2.   أن أهداف الاتحاد الأوروبي قد تشكل مانعاً قانونياً يحول دون التنفيذ على أصول بعض الكيانات المرتبطة بالدول، حتى وإن توافرت بعض عناصر فكرة اختراق الشخصية الاعتبارية.

3.   أن تخصيص الأصول لتحقيق غرض عام أوروبي محدد قد يمنحها حماية من إجراءات التنفيذ التي تستهدف الدولة المدينة.

4.   أن القاضي المختص بالتنفيذ مطالب بإجراء موازنة دقيقة بين حق الدائن في التنفيذ وبين المصلحة العامة التي تحميها قواعد الاتحاد الأوروبي.

خاتمة

يمثل هذا الحكم تطوراً نوعياً في القضاء الفرنسي بشأن تنفيذ أحكام التحكيم ضد الدول الأجنبية، إذ يوضح أن فعالية التنفيذ ليست هدفاً مطلقاً، وإنما ينبغي ممارستها في إطار يحترم الالتزامات الدولية والتنظيمية ذات الطبيعة فوق الوطنية.

كما يوفر الحكم إرشاداً مهماً للمستثمرين والدائنين قبل الشروع في إجراءات التنفيذ ضد الأصول المرتبطة بالدول، إذ يؤكد أن مجرد إثبات ارتباط الكيان بالدولة لم يعد كافياً، بل أصبح من الضروري دراسة الغرض الذي أنشئ من أجله الكيان، ومدى ارتباطه بتنفيذ سياسات أو برامج يحميها قانون الاتحاد الأوروبي.